السخرية والوعي بالذات عند رانيا السعد

يحلو لى دائماً أن أهتم – دون سابق معرفة – بشباب المبدعين لأكتشف مواهبهم النابغة، وأولى المبدعات العربيات عناية خاصة لأنى أومن بأن تحرير الضمير العربي من أغلال التخلف منوط بثورة النساء الناعمة، لأنهن فى مجملهن أشد محافظة من الرجال، وقد وأد القمع طاقتهن الخلاقة على مر العصور، فلم تتفجر معادلة الكتابة الأدبية لديهن مع توفر الكفاءة اللغوية والتوهج العاطفى إلا بحصولهن على أوكسجين الحرية فى العصور الحديثة، وهن اللائي يمكن اعتبارهن مقياس تحضر المجتمع الحقيقى، انظر إلى المرأة فى أى بلد تدرك للتو مدى تحرره وتقدمه مهما اختلفت الثقافات، لأن تعطيل طاقتها فى الإبداع العلمي والأدبي والفني والشراكة الحضارية يترك الحياة معوقة كسيحة. وقد قرأت بالصدفة رواية مدهشة عنوانها «هوس» عرفت منها أن كاتبتها مبدعة كويتية شابة، وأكثر ما لفت انتباهى لها للوهلة الأولى هو الأسلوب الساخر الذى تتميز به، وأعذب أنواع السخرية هي التي تخترق الوعي بالذات ونقدها.

وقد كنت أحسب أنها موقف سلطوي يجيده الذكور فى المجتمعات البطركية، فنادراً ما نجد مثلاً رسامة للكاريكاتير، وإن كنا قد رأينا ممثلات كوميديات. لكن «رانيا السعد» تستهل روايتها بهذه النبرة الساخرة المثيرة، حيث تصف الراوية نفسها ومحيطها قائلة: «نادي اليخوت الذى لعب دوراً مدمراً فى صباي هو مكان تجمع واستعراض لمحدثي النعمة، حيث التحرر الاجتماعي – وليس الفكري – جزء من قشور تمدن يدعيه بعض مرتادي النادي، فرغم أن البلد محافظ إلا أن مايوهات البكيني في النادي منظر مقبول ودارج، حين أرتدى البكيني لأغطس في مسبح النادي وأنا في السابعة عشرة من عمري كنت أشعر بحرج، فأنا طويلة ونحيلة ويبدو جسمي كجسم صبي على وشك البلوغ تمددت عظامه بطريقة غير متناسقة، ولكن كنت أعول على بشرتي البيضاء – والتي تعتبر في ذلك الزمن صفة مرغوبة قبل أن تظهر جنيفر لوبز والفاتنات اللاتينيات بلونهن القمحي الذهبي ويقذفن البيضاوات على قارعة الطريق – مما أفلسني من الصفة المرغوبة الوحيدة التي منحنى إياها الله. أنا أطول أخواتي وصديقاتي وقريباتي، وأبي يكرر على مسامعي دوماً: (الطول طول نخلة والعقل عقل سخلة) عظامي البارزة وطولي اللافت ليسا مشكلتي الوحيدتين، بل إن الشعر الذي يغزو جسمي هو ما يؤرقني، إلا أن أجواء بيتنا الساخرة جعلتني أتعامل مع الموضوع بحس الدعابة، فكلما عيرني أحدهم بشعر ساقي أجبت: أرأيت؟ أنا أرجل منك، مُطلقة ضحكة كتلك التي تطلقها أختي نهاد». ومع أن هذه اللهجة الحادة تساعد القارئ على التمييز الضروري بين الراوية والكاتبة، وتجسد حالة نفسية واجتماعية مائزة، فإنها تحقق ما ننشده في الإبداع من مبالغة مسنونة تكشف عن خبايا النفس البشرية، خاصة باطن المرأة الذي ظل خبيئاً بالنسبة للرجل – وتعرية لأعصاب العلاقات الاجتماعية الموسومة بالزيف والتكلس في معظم الأحيان.

حالة الحجاب:

مع أن ظاهرة انتكاس تيار السفور المستنير في الوطن العربي خلال العقود الثلاثة الماضية وسيادة حالة الرجوع للحجاب التي تعود للتركيز علي جسد المرأة لقياس المستور منه، طبقاً لمعايير وضعها الفقهاء لعصورهم، واعتبار ذلك رمزاً لانتصار تيارات الإسلام السياسي في الشارع العربي، فإنه لا يفوتنا أن نعتبره تقليصاً لحرية المرأة الشخصية المكتسبة تحت ضغوط مجتمعية، وتضييعا لتراتب الأوليات فى رقي حياتنا، اعتماداً على العلم والمعرفة والكفاءة لا على ظواهر الملبس وحصارها للنساء خاصة، مع كل ذلك فإن الإبداع العربي المعاصر قد تفادى الولوج إلى مفارقات هذه الحالة الطريفة، لكن بطلة رواية «هوس» ترتدي الحجاب في ظروف نفسية مواتية إثر حادث مروري تعرضت له، وتشرح ميزاته قائلة: «أيام الحجاب الأولى مرحلة جميلة من حياتي، أحاطت بي الصديقات، أو خلتهن كذلك، اهتممن بي وامتدحنني، شغلن وقتي بالأنشطة الاجتماعية والدروس الدينية مما بدد شعوري بالوحدة، كما أنني ولأول مرة أشعر بالانتماء الحقيقي لمجموعة وأتعرف على معنى قيمة الذات – أو خلتني تعرفت على تلك القيمة – يبدو أن الدين هو الحل الأسهل لكل شىء. هل هو كذلك؟ الحجاب قضى على عقدي المظهرية، كما أنه أضفى على مشيتي العسكرية بعض الشرعية، فالرتم العسكري فى خطواتي بدا مظهراً للالتزام الديني أكثر منه نقصاً في الأنوثة. أما انعدام ثقافتي فلقد أصبح ميزة، أتلقى ما يقولون دون أن تكون لي خلفية ثقافية أنطلق منها في النقاشات مما جعلني محبوبة.

أما عن ضعف قدراتي الخطابية فحلها جمل مكررة سهلة الحفظ بعيداً عن نقاشات وجدالات الوسط الديمقراطي وأعضائه المتفذلكين»، ولم تكتف سلوى بحجابها، بل تحولت إلى داعية دينية حاولت مزاولة نشاطها في المدرسة حتى قامت في وجهها صعوبات اضطرت معها إلى التركيز على محيطها العائلي، فتوجهت إلى «سبأ» – ابنة خالتها – تكرر لها كل ما سمعته من الأخوات المسلمات حين دعينها للحجاب، وفرحت عندما أخبرتها «سبأ» باقتناعها ورغبتها في ارتدائه، لكنها ما لبثت أن تراجعت بعد مناقشة مع أبيها الصحفي الليبرالي الذى أبدى ترحيبه بخطوتها ما دامت باختيارها الحر، ولكنه نبهها أنه يتعين عليها أن تكون في مستوى المسؤولية فى شتى جوانبها، حتى التافه منها المتعلق بالأسفار والصيفيات المتناثرة في سويسرا ومايوركا ومستقبل حياتها كله، وكان هذا الموقف الذكي من الأب الحصيف كفيلاً بتشغيل عقل الفتاة وتغيير اتجاهها، بينما كان موقف أهل «سلوى» المتراوح بين التهكم والإهمال والمعارضة مثيراً لرغبة التحدي لديها، خاصة أن الأخوات قد ضمن لها عريساً وأغرقنها في خيرات الجماعة.

بيد أن هذه الزيجة المدبرة لم تنجح في تحويل حياتها إلى السعادة المنشودة، فلم يلبث زوجها بعد حروب باردة مضنية – تتكفل الرواية بعرضها بطريقة بالغة التشويق والفتنة – أن يقترن بغيرها، وتشاء الصدفة اللعينة، أن تكون تلميذتها الذكية «يارا» التي أحرجتها في الفصل، وبزتها في الثقافة والجمال والكفاءة العلمية والعملية هي التي استأثرت باهتمامه، بعد أن أطلقت الزوجة الغبية شائعة كاذبة عن علاقة مزعومة بينهما فصدقت الأحداث ذلك، ارتبكت حياة سلوى بعد خروج زوجها منها «كان غطاء جيداً، وحين رحل أحسست بأنى فى العراء، أقف أمام مرآتي وأردد ما تعلمته في البرمجة اللغوية العصبية: أنا قوية.. أنا ذكية.. أنا أستطيع.. فأشعر أن المرأة تسخر مني وترد علي: أنت مهزوزة.. أنت غبية.. أنت عاجزة هذا التغيير المفاجئ فى سير حياتى أربكني، ما هى الخطوة القادمة؟»، أخواتها يقترحن عليها حلولا منها إعادة الزواج، أو التفرغ لرعاية بنتيها، أمها تطلب منها أن تنتظر مفعول أعمال السحر وتسخير الجان لإعادة زوجها إلى حضنها، لكنها تمضي في درب التغيير كما تسميه، بعمليات جراحية ترميمية، وينتهي برنامج التحول إلى استبدال الملابس، ولعل من أطرف ما في الرواية الوصف التفصيلي لكل تلك المراحل حتى محاولتها الخروج من مأزق الحجاب، بارتداء الزي البنجابي الآسيوي أولاً، ثم بشراء زوج انتهازي كان محامياً لها ثانياً، لكن الهوس الذى يلازمها ويؤرق حياتها هو عنف الرغبة فى الانتقام من غريمتها عن طريق المكائد النسوية في المدونات، فترد عليها «يارا» على صفحتها بأبيات نزار قباني: «أريدك أنثى ولا أدعى العلم بكيمياء النساء ومن أين يأتى رحيق الأنوثة/ وكيف تصير الظباء ظباء/ وأعرف أن الخيارات ليست كثيرة/ فقد أستطيع اكتشاف جزيرة/ وقد أستطيع العثور على لؤلؤة/ ولكن من ثامن المعجزات اختراع امرأة». فتجن سلوى لتعيد اختراع أنوثتها، وتفضل في زواجها الثاني بعد ضغط مجتمعي عنيف على الزوج الانتهازي.

العصب السياسي:

على الرغم من الطابع الأنثوي الحميم لتجربة رواية «الهوس» فإن عجينة الحياة لا يمكن في وعي المبدع الحقيقي أن تخلو من دسم السياسة ودهونها الغليظة، فسلوى في محاولة تحقيق ذاتها انتقاما من غريمتها تخوض تجربة انتخابات «نادي الصبايا» فى قائمة سيدة كويتية تعد من أطرف النماذج الفادحة التي قدمتها الرواية وهي «خالة عواشة»، وتحاول أن تحث مسؤولة الخلية الإخوانية التي جندتها وألبستها الحجاب كي تقف لتأييدها، فتردعها المسؤولة بحسم قائلة: «التنظيم لا يتم تسخيره لرغبات الأفراد، بل على الأفراد أن يخدموا التنظيم ليحظوا بدعمه، تريدين أن تخوضي انتخابات نادي الصبايا مع شخصية ليبرالية تكره الدين، وأخرى شيعية لها طموح سياسي، وابنة وزير سابق نشط في مجال إقرار حق المرأة السياسي، وتغيري من لباسك، وتريدين منا أن ندعمك؟»، وعلى الرغم من نجاح الخالة عواشة وفريقها في هذه الجولة فسرعان ما تم حل مجلس الإدارة لأنه تشكل ضد رغبة بعض شيخات الأسرة الحاكمة في قيادته، لكن سلوى التي لا تكل تخوض تجارب عديدة في حربها ضد ضرتها، فتتعلم اليوجا مثلها وترشو خادمتها الفلبينية حتى تتعرف منها على أسرار ملابسها ونشاطاتها وما تعتزم القيام به، وتزاحمها في دروس الماجستير، وتشارك في الأنشطة الاجتماعية والسياسية التي تخترق المجتمع الكويتي بتياراته الدينية والمدنية المتحاربة بضراوة، وتكشف الرواية فى هذا الصراع عن بعض المفاصل الحاسمة في سبل الاستحواذ على المقاعد النيابية، مثل حركة «نبيها خمسة»- أي نبغيها خمس دوائر انتخابية بدلاً من خمس وعشرين دائرة، لقلب التوازنات والحسابات الانتخابية لجميع التيارات الحكومية والدينية والمستقلة، فيعارضها محترفو الانتخابات وعباد الصناديق وبغية القفز على السلطة دون إرادة شعبية واعية بهذا التخطيط الماكر، ومثل جمعية المراقبة الإخوانية التي تجند سلمى للانضمام لها كي تزودهم بالمعلومات الحسابية المتوافرة عند الجهاز الرقابي الذي تعمل به للضغط على مؤسسات الدولة وخدمة الجماعة.

وعلى الرغم من كثرة هذه الوسائط السياسية في الرواية فإن الكاتبة الماهرة تربط نهايتها بالإطار التقني والفني لها في تشخيص طبيعة الهوس الذي يصيب المرأة في استحواذها على الرجل حتي تنتهي بطريقة درامية، الأمر الذي يوحي بتراسل غير مباشر بين الحالة الفردية ووضع الجماعات الدينية التي ألمحت إليها فى سعيها الحثيث للسيطرة على السلطة بطرق غير سوية مضادة للروح الديمقراطية ومدفوعة بحب الاستئثار المرضي بالسلطة، فتلتقى الدائرتان الفردية والجماعية في تلاحم مدهش.

الكاتب: صلاح فضل
المصدر: جريدة المصري الیوم

Share this: